مصر ما بعد المجلس العسكرى

أكتب هذه االمدونة  وآالاف من المتظاهرين فى ميدان التحرير يعانون من وابل من الغازات المسيلة للدموع و ما هو أخطر. أنهم يجاهدون بإرادة حديدية من أجل ان يحافظوا على الميدان. أجد نفسى أحاول ان احكم القبضة على حبال أفكارى وبين الحين و الأخر أحاول ان اطمئن على أصدقائى و رفقائى فى الميدان. وبينما يسقط أنبل و أشجع شباب مصر ما بين قتيل و جريح يتجلى بوضوح شديد حتمية تنحى المجلس العسكرى. هذا الأمر ليس محل جدل عقيم او حتى إستفتاء خادع. هذه الحتمية يفرضها العقل و المنطق و الحد الأدنى من الإحساس و الإنسانية. كيف يمكن ان نثق فى قيادة سياسية تستبيح القتل و التنكيل بمن يعارضونها كيف يمكن أن نثق أنها قادرة على إدارة عملية التحول الديمقراطى؟ أى جرأة و إنعدام المشاعر هذه التى تمكن المشير طنطاوى من ان يعلن عن وعود بتسليم السلطة بينما قواته شارعة فى مهاجمة و قتل المتظاهرين السلميين؟ خطايا المجلس العسكرى المتنامية يمكن تعويلها على سوء إدارة سياسية فادح أو كما يرى البعض هى تغليب المصلحة الشحصية  بما يعرض الوطن لمخاطر جسيمة.  


فى أى من الأحول تنحى المجلس اصبح  أمرا لا مفر منه. الثوار لن يرضوا بما هو أقل من ذلك. السؤل المهم هو كيف يمكن أن يحدث ذلك دون إحداث ما هو أسوأ منه؟  في هذا السياق يبرز عدد من القضايا الشائكة، وأتناولها كالتالي و يجب مواجهاتها والتغلب على ما يذخر فيها من تحديات من أجل ان يتم نقل السلطة بطريقة سريعة و منظمة

  1.  تشبث المجلس بالسلطة
  2. الألية التى سوف تعطى السلطة الجديدة شرعيتها
  3. آلية تسمح للشعب مراقبة عملية التحول الديمقرطى والتعبير عن رؤيته لتكون موازية ومتكاملة مع المجالس النيابية، وسأوضح لماذا لا يكفي في هذه المرحلة أن تكون المجالس النيابية هي الآلية المنفردة بالمراقبة الشعبية.

قبل تصريح طنطاوى و الهجوم الشرس الذى تلاه كان العقل الجمعى فى التحرير مستغرقا فى تأمل دقيق لهذه القضايا من خلال الاف المناقشات التى كانت تجرى فى الميدان. كثير من هذه المناقشات كانت تجرى فى اجواء من الجدية شديدة. كانت هذه اللحظات الغالية التى يتاح فيها لجموع الشعب المصرى -من كل طبقاته و إنتمائاته الإيديولوجية- بالتحدث والنقاش يتم دفع ثمنها من دماء انبل و أطهر شباب مصر. أحاول فى السطور القادمة ان اقدم قراءتى للتحرك الأمثل من وحى هذه النقاشات.

تشبث المجلس بالسلطة
نعلم بدون ادنى شك ان المجلس العسكرى لن يتنازل عن السلطة بسهولة. من المرجح ان كل عضو فى هذا المجلس الشديد الإرتباط بمبارك وعائلته كان له دور فى منظومة الفساد. سياستهم التى تبدوا متخبطة ما هى إلا محاولة لكسب وضع خاص فى المنظومة السياسية القادمة تجنبهم اى نوع من المساءلة. كانت محاولتهم دءوبة من أجل تسويق منظومة "ديمقراطية" مغشوشة، وهو ما تؤكده الأحداث المتوالية منذ تولي المجلس العسكري مهماته الرئاسية والتي كان الشعب يئن ولكنه يصبر انتظارا لبصيص من النور دون أن يقع في مواجهة مباشرة مع المجلس على قدر المستطاع. إلى أن جاءت مذابح التحرير الحالية والتي يصعب معها التسامح أو طأطأة الرأس أو تسمية الأشياء بغير مسمياتها. هناك إجماع بين الثوار ان القصاص ضرورى، ولكن كيف؟ إن التصورات الموجودة والناتجة عن الغضب المشروع قد تؤدي إلى  تكلفة باهظة هذه بعض النتائج المحتملة التي يرفضها العقل والمصلحة العامة للوطن.



ولأن هذه النتائح لن تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونحلم به ، لهذه الأسباب فإن المصلحة العليا تقتضى ان نعطى العفو التام لأعضاء المجلس من المساءلة. اعلم ان هذا الكلام من الصعب جداً تقبله و لكنه تطبيق لحكمة سان تزو التى تقول:
إبنى للأعداء جسورا من ذهب لينسحبوا من المعركة.
ولذا يصبح المطلب الرئيسي الآن المطالبة من المجلس بتسليم سلطاته الرئاسية بسلام ضمان سلامة أعضائه وعدم مساءلتهم. ويصبح السؤال هو من الذي سيتولى شئون إدارة البلاد سياسيا؟

السلطة الجديدة و شرعيتها
كثر الجدل عن المجلس الرئاسى المدنى و من سيكون ضمن أعضائه. أليه إختيار الأعضاء غير واضحة و إن كان البعض يدعوا أن يكون هذا المجلس مكونا من كل المرشحين المحتملين للرئاسة، وهناك أراء أخرى لن أتعرض لها بالتفصيل فهي موجودة على الساحة، ولكن الإجماع يتمحور في إيجاد أي بديل يحل محل المجلس العسكري
و لكن بدون ألية واضحة لأختيار أعضاء هذا المجلس قد تدخل البلاد فى دوامة التطاحن السياسى. و كثيرون من السخفاء سوف يعلنون حربا شرسة على "ديكتاتورية الميدان" الذي قاد البلاد إلى تخلي المجلس العسكري عن الرئاسة ، وندخل في غياهب الظلام والشلل من جديد.

وقد يرى البعض أن الحل يكمن في تكوين  المجلس الرئاسى عن طريق نظام الإنتخاب الترتيبى(ranked voting method). ميزة المجلس الرئاسى المنتخب بهذه الطريقة أنه سيكون ممثلا لكل التيارات السياسية المصرية و الأمل ان يخلق هذا نوعا من التوافق يمهد الطريق لدستور توافقى. و لكن هناك تخوف من أن يجد هذا المجلس صعوبة شديدة فى التحرك و إتخاذ القرارت و أن يكون بذلك غير قادر على قيادة عملية التحول الديمقراطى بشكل فعال.

ممكن كبديل للمجلس الرئاسة المدنى ان ننتخب رئيسا للبلاد تكون فترة رئاسته سنتين  و لا تجدد. انا أفضل هذا الطرح حيث ان سرعة إتخاذ القرار فى هذه المرحلة ضرورى.

سيكون هذا الرئيس منوط فى الأساس بإنجاز هذه المهام:
إرساء قواعد التحول الديمقراطى فى البلاد و ما يصحبها من خطوات ضرورية من أجل  التحول من دولة أفراد لدولة مؤسسات.
إعادة بناء وزارة الدخلية بما يحقق الأمن و الأمان مع ضمان كل الحريات المدنية
تدعيم الثقة فى إقتصاد البلاد و مسار التحول الديمقراطي.

النظام
بدون شفافية و بدون رقابة من المرجح ان يبعد الرئيس  عن تطلعات الشعب و ما يصاحب ذلك من موجات غضب عارمة. فى الظروف العادية يكون مجلس الشعب هو القائم بهذا الدور و لكن فى ظل الظروف الحالية و إلى ان تستقر الخريطة السياسية لمصر ندى شك من قدرة المجلس النيابي القادم على القيام بهذا الدور. السبب الرئيسى فى ذلك انه لم يتاح للشعب بعد الفرصة لتكوين أحزاب فاعلة وناضجة سياسيا لتكوين برامج واضحة وممكن تحقيقها. ثانيا النظام الإنتخابى الحالى الشديد التعقيد لا يتيح للشعب أن يعبر عن إرادته، لأن اختياراته ستكون عشوائية أكثر منها نتاج لتفكير في البرامج المقدمة لها من الأحزاب الموجودة.  وللتغلب على هذه المعضلات أجد أن الحل يكمن فى الديمقراطية المباشرة و ذلك من اجل ان تعبر جموع المواطنين عن رأيهم فى كافة السياسات. تنظيم القدرة على الآطلاع من قبل متخذي القرارة على أراء الجماهير دون مظاهرات أو احتجاجات يتطلب فكرا إبداعيا، وأحد الافتراحات التي أقدمها تتعلق ببناء نظام معلوماتي  يتيح الأتى

  1. التعبير عن المشاكل الملحة من جموع المواطنين و التصويت على بدائل الحلول
  2. إطلاع  المواطنين ف  على السياسات التى يتم وضعها من خلال نشرها على مواقع إلكترونية معروفة. 
  3. تلخيص و تصينف كافة شكاوى المواطنين من أجل تحديد الأولويات و تنظيم البت فيها.



 هذا النظام المقترح ممكن بلورته بشكل دقيق فى المستقبل و لكن هذه هى  خطوطه العريضة.

الخلاصة
يجب ان نطالب بالأتى:
تنحى المجلس العسكرى مع العفو عن كل أعضائه
انتخاب رئيس جمهورية إنتقالى نظام معلومات يسمح بالديمقراطية المباشرة مع وجود مجلس تشريعى موازى.

ارجو من قارئى هذه المدونة  تناول هذا المقترحات بمداخلات تزيد من بلورة الفكرة أو تقدم حلولا أخرى كما أرجو منهم  نشرها على قدر الإستطاعة إذا وجدوا هذه الإقتراحات مقبولة.

لا يكمننا ان نفقد زمام المبادرة هذه المرة!

Labels: , , ,